اخر الاخبار
غزو الاعلام الالكتروني لدول العالم الثالث

غزو الاعلام الالكتروني لدول العالم الثالث

وكاله انانا _ تحقيق انعام عطيوي

خلال هذا القرن ازدهرت صناعة الدعاية والاعلان وصناعة هدم الثقافات وقصف العقول وغسلها، فقد تبوأت الصناعات الدعائية مكانة مرموقة زاحمت معظم الصناعات الاخرى وخاصة الصناعات الحربية والعسكرية على الهدم الاقتصادي الدولي وخاصة في الولايات المتحدة.
وعلى ضوء ذلك فان الصحف الدولية انطلقت من هيمنة الاعلام الورقي وتحديده الى مصافي الانتشار والعالمية وبالمقابل انتقل المجتمع البشري نقلة نوعية من صناعة الصواريخ العابرة للقارات الى صناعة الاعلام الالكتروني المنتقل عبر القارات،
اي اننا دخلنا في هذا العصر الى الغزو او الاحتلال الجديد والذي يعتبر بالحرب الالكترونية التي تستهدف ثقافة الشعوب من خلال استخدام الدعاية والحرب النفسية والاعلام الممنهج ضمن الوسائل الالكترونية لخدمة اغراض الغزو دون تكبد الخسائر البشرية واراقة الدماء او اهدار الالات العسكرية وتمكن الاعلام الالكتروني من تسخير الدعاية الى الغزو والهيمنة على الراي العام للجماهير واللعب بمصائر الشعوب،
بالمقابل لو اجرينا مقارنة بسيطة لوجدنا ان مثل هذه النتائج لهكذا غزو ما كانت لتتحقق في السابق بدون الوسيلة الالكترونية سوى باستخدام الجيوش والسلاح العسكري حينها يكون بالمقابل تمكن الاعلام الالكتروني قد حقق ما لم تستطع الجيوش تحقيقه بدون هدر الاموال والارواح فاستطاعت الوسائل الالكترونية ان توفر اعلام يلغي الحدود الجغرافية ويغذي ثقافات مختلفة ويساعد على التقاء اثينيات متباينة ونقل وتبادل معلومات تؤثر سواء سلبا او ايجابا على الجمهور المتلقي،
ومن هنا يبدا الخطر الذي يكمن في الاعلام الوافد من الوسائل الالكترونية لانه بشكل او باخر يلغي الحدود الجغرافية في نقل المعلومات ويمحي ما يسمى بسيادة البلدان وسياسة الوطن وينشر ماهو مباح وغير مباح،
فبات كل اعلام داخل اي بلد وبالتحديد البلدان العربية والعالم الثالث تعيش تحت وطأة الاختراق الاعلامي والغزو الثقافي الذي يهدد المنظومة الفكرية للشعوب ويعرض عقائدها وتراثها الديني والانساني والاخلاقي للاخطار والانصهار بثقافات الاعلام الوافد من الوسائل الالكترونية الحديثة وهذا ما تغفله معظم الدول والشعوب العربية من حقيقة الغزو والاحتلال وتركز اهتماماتها على الصورة النمطية القديمة لمعنى الاحتلال متوقعة ان كلمة الغزو والاحتلال مازالت مقترنة بالغزو العسكري والعدوان بالاسلحة والاحتلال بالجيوش المدججة بالسلاح.
لكن ان الحرب الحقيقية في عصرنا الحالي اصبحت حرب الكترونية اعتمدت على استخدام الوسائل الالكترونية في بث المعلومات والدعاية والاعلان والترويج لافكار وثقافات في عقر دار الدول وهز المنظومة الثقافية والاخلاقية للشعوب وتوجيه الراي العام الجماهيري نحو فكرة معينة من اجل سلخ الشعوب من افكارها وهوياتها الحقيقية وطمس تراثها العربي باساليب دعائية باتت هي الاعتا من نوعها في العصر الحالي بمساعدت الاعلام الالكتروني في تغيير الكثير من المفاهيم والقيم العربية والاسلامية ولسق مفاهيم ارهابية خاطئة بالدين الاسلامي وكانت هذه الفكرة الاكثر انتشاراً في الاعلام الالكتروني واصبحت اكثر رواج حتى باتت تؤثر على المفاهيم الغربية والعربية سواء بدمج صفة الإرهاب بالإسلام.
كما اصبحت ظاهرة التعري من ثقافة الشعوب المتقدمة والحضاراية، اما المحافظة على الاخلاق والحشمة في الملابس اندرجت ضمن مفهوم تخلف وكبت للحرية الشخصية، ولو حاولنا درج ضمن ذاكرتنا كل من الدول التي وضعت ضمن خريطة الربيع العربي لوجدنا ان هذه الدول تعرضت في باديء الامر الى الغزو الاعلامي الالكتروني الذي غير في الكثير من مفاهيم وقناعات الجماهير ثم بعد ذلك حدث التحول السياسي والاقتصادي والاخلاقي تحت مسمى الربيع والذي بات يستنزف منهم بعد ذلك الكثير من دماء الشعوب البريئة تحت صراعات مقتبسة ومشوشة ومشبوهة غيرت قناعاتهم وتعاملاتهم واحدثت ظواهر انتشرت في مجتمعاتهم عبر الاعلام الالكتروني.
وابسط مثال على ذلك ظاهرة التطرف الديني والعنصري والقومي والارهابي التي تاثرت بها الشعوب من خلال الرسائل الاعلامية الواردة من الانترنيت والتي تمتلك صفة الانتشار السريع والقدرة على التكرار للمعلومة ضمن مسميات تيبوغرافية مختلفة للصحافة الالكترونية، والوسائط الالكترونية المتعددة تمثلت (باليوتيوب والصور المتحركة والمؤثرات الصوتية والرسوم والنشرات الاعلانية).
وتمكنت هذه الظاهرة من خلق حروب بين الشعب الواحد تحت مسميات عقائدية وفكرية لم تكن في السابق موجودة، لهذا كان لابد كما هو موجود على ارض الواقع المقاومة العسكرية التي تتصدى لاي عدوان ان توجد في هذه المرحة المقاومة الاعلامية للغزو الاعلامي الالكتروني الذي بات يشكل كمرض السرطان على المنظومة الاخلاقية والفكرية لاي شعب. وهذه المقاومة لا تعني الانغلاق والعزلة الاعلامية، لكن هذه المقاومة تحقق توفير الامن والحفاظ على ثقافة الشعوب وبنفس الوقت تسعى الى التطوير والاندماج وايجاد ما يسمى بالامن الاعلامي الالكتروني، وقد كتب الدكتور بسام عبد الرحمن في كتابه الامن الاعلامي موضح ان (اي امن ينشاء من التنمية وان المشكلة العسكرية ليست سوى الوجه السطحي الضيق لمشكلة الامن فالقوة العسكرية يمكن ان تساعد في توفير القانون او النظام لكن ذلك لا يتحقق الا بقدر يتناسب مع الوجود العقلي لقاعدة صلبة للقانون والنظام في المجتمعات النامية ووجود الرغبة من جانب الشعب والقانون وهما ما يمكن من تحقيق التنمية وهي الحقيقة الاساسية للامن والتنمية).
الاستعمار الالكتروني……… والتبعية الاعلامية
ان اي مُستعمَرة على الخارطة الجغرافية تكون ضمن التبعية للدول المستعمِرة سواء في القرارات او الاحكام او اي شيء يتعلق بمواردها البشرية والطبيعية وخيرات بلادها وما جاء الاستعمار يوما بمنفعة لمستعمراته، وكانت كلمة المستعمر سابقاُ لا تتعدى المفهوم العسكري لكن اليوم في عصرنا هذا فقط بات من الممكن التحول من الاستعمار العسكري الى الاستعمار الالكتروني، وتحويل بلدان معينة الى التبعية الاعلامية وتخضع للاستعمار الاعلامي بفضل الوسائل الالكترونية التي وفرت المجال لتحقيق نظام التبعية الاعلامية لبعض البلدان لتكون تابعة اعلاميا لبلدان اخرى، وتحويل اسواقها ومستهلكيها للانتاج الصناعي الغربي من تكنلوجيا اعلامية ومماراسات مهنية اعلامية ومواد وبرامج اعلانية وتكريس الاعتماد على برامج الاعلام للدول المتقدمة، وكل هذا ساعد من خلق التبعية الاعلامية للدول الغربية وايجاد بيئة لانعاش الاستعمار الالكتروني هدفه السعي من اجل التاثير على العقول والاتجاهات والرغبات والمعتقدات وانماط الحياة وكثرة الاستهلاك في الدول النامية وبالاخص نظرية الاستهلاك، فكما هو معروف ان الدول كلما ركنت الى مصافي الشعوب المستهلكة كلما قل اقتصادها وزاد امكانية السيطرة عليها من خلال ضخ اكبر كميات من المواد الاستهلاكية من الدول المنتجة لنخر اقتصادها وجعلها حاضنة للشركات متعددة الجنسيات التي تعتبر النافذة الاهم لامتصاص خيرات اي بلد وقناة مهمة للعبث باقتصاد الشعوب وهذا ما توصل اليه فعلا الدكتور فهمي العدوي في كتابه ادارة الاعلام. في حين يرى الدكتور عاهد المشاقبة في كتابه الابعاد السياسية للتدفق الاعلامي بين الشمال والجنوب ان تكنلوجيا الاتصال الحديث تشكل احد المظاهر الرئيسية للهيمنة الاتصالية على مستوى الدول وهذه الهيمنة تتم على اكثر من مستوى منها (مستوى بعض المؤسسات الاعلامية التكنولوجيا ذات الامكانات الاقتصادية والتكنولوجيا الضخمة مما يجعلها تتحكم في نسبة كبيرة من الانتاج الثقافي والاعلامي، والمستوى الثاني هو المستوى الدولي حيث تتم هذه الهيمنة من الدول ذات الامكانيات التكنولوجيا الاتصالية الاقوى والاكثر انتشار عل دول الجنوب الفقيرة اقتصاديا واعلاميا ً)
هذا واعتبر علماء الاجتماع ان القنوات الاخبارية الدولية ليست مجرد وسائل اخبارية بل هي دليل على الاتجاه نحو عالم بلا حدود فتحولت المؤسسات الوطنية الى مشروعات لشركات متعددة الجنسيات وتدفق للتجارة بحرية حتى حولت اوربا الى سوق يستخدم عملة موحدة، والاكثر من ذلك سببت هذه التكنولوجيا تراجع مفهوم القومية حيث فقدت العديد من الدول السيطرة على الحدود المفروضة على المعلومات بسبب قنوات الاتصال عبر الشبكات الالكترونية، والدور الذي تلعبه الشركات المتعددة الجنسيات على ثقافات العالم الثالث يرى الكاتب ( روبرت تشيلر) في كتابه المتلاعبون بالعقول ان الجوهر الحقيقي لهذه الشركات يكمن في كونها حاملات للمعلومات ونواقل للمعرفة وهذا هو الذي يهدد الامن الاعلامي والثقافي لهوية شعوب العالم الثالث ويؤثر عليه، ويكمن تهديد هذه الشركات نتيجة سيطرتها على الانتاج الاعلامي والذي يشكل الاساس العلمي للعملية الاعلامية من خلال السيطرة على منتج المادة الاعلامية او الاتصالية فمن خلال النظر الى مصدر المادة الاتصالية او منتجها الاصلي فهناك نحو عشرين الف شركة عابرة ومتعددة الجنسيات تسيطر على نحو ثمانين الف شركة تابعة لها، وتتركز هذه الشركات في الولايات المتحدة الامريكية والمانيا وفرنسا وسويسرا واليابان وبرطانيا والاخطر ان اغلبية هذه الدول تسيطر على وكالات الانباء العالمية، اضافة الى سيطرة هذه الشركات على محتوى المنتج الاعلامي المنقول والمحمول الى الاسواق في دول العالم الثالث ومعظم هذا الانتاج هو استهلاكي، اما المنتج الثقافي فيتضمن اتجاهين اولهما اتجاه القيم وانماط السلوك ويكون هذا البعد واسع النطاق من الثقافة التجارية فيتضمن اساليب الحياة والتعامل وطرق استهلاك منتجات لا تلبي رغبات وثقافات وعادات دول العالم الثالث، والتجاه الثاني هو التنظيمم والاستهلاك وهو يقوم على رفع الاحساس والرغبة بالشراء والاستهلاك حتى وان كانت سلع او افكار او منتجات لا تتلائم مع البيئة لدول العالم الثالث ويتم ذلك من خلال العلاقات العامة والتسويق والاعلانات الباهضة الثمن، ومن هنا ياتي دور الجمهور المتلقي للرسائل الاعلامية الالكترونية او المنتج الاعلامي الالكتروني وهذا هو مربط الفرس حيث تعمل الشركات الاجنبية على نقل قيم وانماط سلوك تابعة لمنظومتهم الفكرية والاعلامية والثقافية الى هذا الجمهور بكل شرائحه وهنا يتعزز دور الاقناع للاعلام الالكتروني من خلال التعامل مع المنتج الاعلامي الالكتروني على ارض الواقع حينها يكون سهولة الاندماج بهذا المنتج سواء كان على شكل معلومات او افكار او منتجات استهلاكية او انماط سلوكية مغايرة لعادات وثقافات دول العالم الثالث وان خطورة هذا الاعلام الالكتروني تكمن في تاثيره على النشأ، وهذا يتطابق مع المقولة التي اطلقها عالم الاتصال (مارشال مكلوهان) الذي اعتبر ان العالم اصبح الان قرية كونية وما رسخ هذا التاثير في عقول النشأ هو نتيجة تبني القنوات الفضائية ومحطات الاذاعة والتلفزيون وخاصة الترفيهية من هذه المنتجات الاعلامية فبات تكرارها على الجمهور يؤدي الى ان ترتكز في عقول المشاهدين وهذا بحد ذاته يؤدي الى تحطيم القيم الثقافية لعادات الامم والشعوب في دول العالم الثالث، وهذا فعلا ما توجب الانتباه له والتفريق بينه وبين الحوار الثقافي، فعملية غرز لمفاهيم وعادات الدول الاوربية والولايات المتحدة الامريكيا وطمس عادات وثقافات شعوب العالم الثالث باسم التطور الحضاري ومواكبة الاعلام الالكتروني يفرق تماما عن الحوار الثقافي والحضاري وحوار الشعوب الاعلامي الالكتروني وهذا هو الاساس في خطورة الاعلام الالكتروني على دول العالم الثالث

عن wedsb33445566

اضف رد